الشاشة نيوز:
في سياق الاهتمام المتزايد بتاريخ القضاء المغربي ومسارات تطوره، صدر للدكتور إدريس بن عبد القادر البوخاري كتاب يحمل عنوان «الاجتهاد القضائي في الأحكام القضائية الصادرة عن مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالمغرب في قضايا العقار والأسرة والإرث في عهد الحماية»، وهو عمل علمي يقوم على الدراسة والتحقيق والتخريج والتقديم، ويعيد فتح واحدة من الصفحات المهمة في الذاكرة القضائية المغربية خلال مرحلة تاريخية دقيقة امتدت، وفق الفترة التي حددها المؤلف، من 1359هـ إلى 1376هـ، الموافق تقريبًا للفترة من 1940م إلى 1957م.
وتنبع أهمية هذا الإصدار من طبيعة الموضوع الذي اختاره صاحبه، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد استعادة أحكام قضائية تعود إلى زمن الحماية، وإنما بالعودة إلى تجربة القضاء الشرعي المغربي وما راكمه من اجتهاد في قضايا كانت وما تزال في صميم الحياة الاجتماعية، وفي مقدمتها العقار والأسرة والإرث.
فالاجتهاد القضائي ليس مجرد مادة تقنية موجهة للقضاة والباحثين في القانون، بل يمثل أيضًا وثيقة تاريخية واجتماعية تكشف طريقة تعامل القضاء مع النزاعات التي عرفها المجتمع المغربي، وكيفية تنزيل الأحكام الشرعية والقواعد القانونية على وقائع الناس وقضاياهم. ومن هذه الزاوية، يتيح الكتاب الاقتراب من جانب من تطور التفكير القضائي بالمغرب، وفهم امتداداته التاريخية.
مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى.. ذاكرة تستحق الاستعادة
يضع الكتاب مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالمغرب في قلب البحث، بما كان يمثله من موقع داخل التنظيم القضائي الشرعي في تلك المرحلة. ومن خلال الاشتغال على الأحكام الصادرة عنه، يسعى المؤلف إلى إبراز جانب من الاجتهاد الذي راكمته المؤسسة القضائية المغربية خلال سنوات الحماية.
وتزداد قيمة هذه العودة بالنظر إلى أن الفترة المدروسة تنتهي سنة 1957، أي عند مرحلة مفصلية ارتبطت ببدايات بناء مؤسسات المغرب المستقل وإعادة تنظيم عدد من هياكل الدولة. لذلك يمكن قراءة الأحكام موضوع الكتاب ليس فقط باعتبارها مادة قانونية، وإنما أيضًا باعتبارها شاهدًا على مرحلة انتقالية من تاريخ المغرب.
واختيار المؤلف التركيز على العقار والأسرة والإرث يمنح العمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، لأن هذه المجالات ترتبط مباشرة ببنية المجتمع المغربي وبالعلاقات العائلية والملكية وانتقال الأموال والحقوق بين الأجيال، وهي مسائل شكلت تاريخيًا مجالًا واسعًا للنزاعات والاجتهاد القضائي.
من الوثيقة القضائية إلى البحث العلمي
ما يميز هذا العمل كذلك هو المنهج الذي يعلن عنه عنوانه الفرعي: «دراسة وتحقيق وتخريج وتقديم». وهو ما يكشف أن الكتاب لا يكتفي بجمع المادة القضائية، وإنما يتعامل معها بوصفها مادة تحتاج إلى التحقيق والتوثيق ووضعها في سياقها العلمي والتاريخي.
وتشير الموضوعات التي يقدمها المؤلف ضمن اهتماماته العلمية إلى انشغاله بمجالات متعددة تتقاطع مع موضوع الكتاب، من بينها الاجتهاد القضائي، والأسرة والمجتمع، والتشريعات المقارنة، والاجتهاد السياسي، والقراءة في الفقه المقارن، وهو ما يمنح هذا الإصدار موقعًا ضمن مشروع أوسع للاشتغال على قضايا القانون والفقه والمجتمع.
كما أن العودة إلى الأحكام القضائية القديمة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحثين، لأنها تساعد على تتبع الكيفية التي تطورت بها بعض المفاهيم والقواعد القضائية، وتتيح المقارنة بين معالجة القضاء لقضايا الأسرة والعقار والإرث في مراحل تاريخية مختلفة.
القضاء بوصفه مرآة للمجتمع
بعيدًا عن الجانب القانوني الصرف، يفتح الكتاب نافذة على المجتمع المغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين. فالقضايا المعروضة على المحاكم غالبًا ما تختزن وراءها قصصًا عن الملكية والعائلة والميراث والنزاع حول الحقوق، وهو ما يجعل الوثيقة القضائية مصدرًا يمكن أن يستفيد منه، إلى جانب القانونيين، الباحثون في التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
فالحكم القضائي، حين يوضع في سياقه التاريخي، لا يخبرنا فقط بمن كان صاحب الحق في نزاع معين، وإنما يمكن أن يكشف أيضًا طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأشكال الملكية، ومكانة الأسرة، وأنماط تدبير التركات والنزاعات، وطبيعة المرجعيات التي كان يستند إليها القضاء.
وهنا تتجلى إحدى القيم الأساسية لمثل هذه المؤلفات: إنقاذ جزء من الذاكرة القضائية من النسيان وإتاحته للأجيال الجديدة من الباحثين والمهتمين.
إصدار في توقيت يحمل دلالة رمزية
ويحمل توقيت صدور الطبعة الأولى من الكتاب دلالة خاصة، إذ يشير غلافه إلى صدورها بتاريخ 19 جمادى الأولى 1448 هجرية، الموافق لـ31 أكتوبر 2026، بمناسبة عيد الوحدة الترابية. وهو ما يضفي على الإصدار بعدًا رمزيًا يربط البحث في تاريخ المؤسسات القضائية باستحضار محطات الذاكرة الوطنية.
إن كتاب «الاجتهاد القضائي في الأحكام القضائية الصادرة عن مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى بالمغرب» يطرح مادة تستحق القراءة والنقاش، خصوصًا في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى توثيق الذاكرة القانونية والقضائية للمغرب، وربط حاضر المؤسسات بتاريخ تشكلها وتطورها.
فالعدالة لا تبدأ من النصوص القانونية الراهنة وحدها، وإنما تحمل وراءها تراكمًا طويلًا من الأحكام والاجتهادات والتجارب. ومن هنا تبدو العودة إلى اجتهادات القضاء المغربي في فترة الحماية خطوة تتجاوز التوثيق التاريخي إلى المساهمة في فهم كيف تشكل العقل القضائي المغربي، وكيف تعامل مع قضايا المجتمع، وكيف انتقلت تجربته من مرحلة تاريخية إلى أخرى.
وبهذا المعنى، فإن الكتاب لا يخاطب القضاة والمحامين والباحثين في القانون وحدهم، بل يمكن أن يجد فيه المؤرخ والباحث في المجتمع المغربي مادة تساعد على قراءة مرحلة من تاريخ البلاد من زاوية مختلفة: زاوية القضاء، حيث تتحول وقائع الحياة اليومية ونزاعات الناس إلى وثائق تحفظ جانبًا من ذاكرة المجتمع والدولة معًا.















