الذاكرة الحية: من مؤثر الذاكرة إلى السينما: بناء المخيلة الجماعية ونقل الذاكرة التاريخية.

anbrahim27 أكتوبر 2026آخر تحديث :
الذاكرة الحية: من مؤثر الذاكرة إلى السينما: بناء المخيلة الجماعية ونقل الذاكرة التاريخية.

الحسين الملكي: منتج ومستشار سمعي بصري

إذا كان “مؤثر الذاكرة” يتحرك داخل اقتصاد الانتباه السريع والمجزأ، فإن الخيال السينمائي والإنتاج السمعي البصري المحترف يعملان على مقياس مختلف كلياً؛ إنه مقياس هندسة المخيلة الجماعية. ففي حين يقدم صانع المحتوى الرقمي ملخصاً متاحاً وتفاعلياً للأحداث الماضية، تبني السينما نصباً تذكارياً حسياً، وعميقاً، ومستداماً يعكس الكيفية التي تتذكر بها المجتمعات تاريخها.

تتجسد هذه المفارقة جلياً أولاً في البناء السردي؛ فالمؤثرون الرقميون، خاضعون للإكراهات الخوارزمية لمنصات مثل تيك توك، ويوتيوب شورتس، وإنستغرام ريلز، يفضلون غالباً الجاذبية المباشرة، والحكاية اللافتة، والنمط البيوغرافي السريع، مقدمين التاريخ في صورة مقاطع قصيرة مصممة لتحريك التفاعل الآني. وفي المقابل، تطور السينما والأعمال الدرامية بنية سردية أوسع لا تقتصر على مجرد عرض الوقائع، بل تسعى إلى إعادة خلق واقع بشري واجتماعي وتاريخي من خلال دقة الإخراج، والأزياء، والإضاءة، والديكورات، والمشهد الصوتي؛ محولة بذلك المعالم التاريخية المجردة إلى تجارب إنسانية ونفسية قادرة على ترك أثر بالغ ومستدام في وجدان المتفرج.

ويتعلق هذا الاختلاف أيضاً بـ ظروف الإنتاج وآليات التأسيس الثقافي؛ إذ يعمل مؤثر الذاكرة عادة كمقاول مستقل أو ضمن فريق مصغر تعتمد ظهوريته إلى حد كبير على منطق الانتشار الرقمي وعلاقة القرب مع مجتمعه، بينما يُعد الإنتاج السينمائي مشروعاً جماعياً مهيكلاً يجمع كتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين ومديري التصوير ومهندسي الصوت وغيرهم من المهنيين الذين تتضافر كفاءاتهم لصناعة عمل متماسك. ويُضاف إلى ذلك، حسب المشاريع والبلدان، آليات التمويل والدعم المؤسسي ولجان الاختيار والهيئات العامة التي تسهم في إدراج الأعمال ضمن إطار مهني وثقافي معترف به، دون أن يعني هذا الطابع المؤسسي بمفرده ضماناً للقيمة التاريخية أو الفنية؛ إذ لا تقتصر قضية الذاكرة الجماعية على شروط الإنتاج وحدها، بل تختبر أيضاً قدرة السرد على تحويل الواقعة التاريخية إلى تمثيل دائم ومؤثر.

وفي هذا السياق، يتيح تأمل بول ريكور (Paul Ricœur) حول العلاقات الرابطة بين السرد والزمن والذاكرة مساءلة الكيفية التي تنظم بها المجتمعات صلتها بالماضي؛ فالمحتوى التاريخي المنشور عبر الإنترنت يُستهلك عادة ضمن تدفق مستمر يفسح فيه كل منشور المجال بسرعة لمنشور يليه، بينما تستطيع التحفة السينمائية أن تخلد في الزمن صوراً، وحوارات، وشخصيات، وتأليفاً موسيقياً تتحول إلى مراجع ثقافية مشتركة تؤثر في الإدراك الجماعي لأحداث الأمة، ومآسيها، ونضالاتها.

غير أن هذه القدرة السينمائية على تشكيل الذاكرة لا تعني بحال أنها تستعيد الماضي بصورة محايدة أو نهائية؛ فكل تخيل تاريخي يمر عبر خيارات انتقائية، وتأويلية تستوجب صرامة نقدية عالية، إذ إن السينما قادرة بالقدر ذاته على ترسيخ الذاكرة أو على تبسيط الأحداث التاريخية، وإعادة بنائها، أو حتى أسطرتها. ومع ذلك، يشهد المشهد الإعلامي المعاصرة تقارباً وتكاملاً متزايداً بين العالمين؛ فمن جهة، تستعين الإنتاجيسات السينمائية التاريخية بشكل مطرد بالمؤثرين للترويج لأعمالهم، واستقطاب اهتمام الفئات الشابة، وتوسيع نطاق رؤيتهم، ومن جهة أخرى، يتبنى بعض صناع المحتوى الرقمي أساليب جمالية مستوحاة من لغة السينما، لاسيما في جودة الصورة، وفن المعالجة اللونية، والتكوين البصري، والتصميم الصوتي، مما يسهم في تذويب الحدود الفاصلة بين الإبداع الرقمي والإنتاج السمعي البصري المهني.

يفتح هذا التقارب آفاقاً جديدة لتدفق المعارف التاريخية، بشرط ألا تطغى حمى البحث عن المشاهدة على تدقيق الحقائق وسياقات الأحداث؛ إذ إن إتاحة الوصول إلى التاريخ (ديمقراطية المعرفة التاريخية) لا ينبغي أن تختزل في تبسيطه المفرط. في النهاية، وإذا كان مؤثر الذاكرة قادراً على إيقاظ الفضول، وجعل بعض الوقائع في متناول الجميع، وتشجيع الأجيال الناشئة على الاهتمام بماضيهم، فإن الخيال السينمائي يمتلك، بفضل عمق بنائه السردي، وقوة لغته الحسية، وحشد آليات الإبداع الجماعي، أدوات بالغة الثراء لترسيخ تمثيلات الماضي في الوجدان الجمعي. ومن ثم، فإن الرهان لا يكمن في التعارض المنهجي بين الإبداع الرقمي والسينما، بل في فهم تكاملهما والمسؤوليات الملقاة على عاتق كل منهما في نقل الذاكرة؛ فالأول يفتح باب المعرفة بينما يوفر الثاني فضاءً أرحب للانغماس، والتأويل، والتفكر في التاريخ، بشرط أن يضطلع كل طرف بمسؤوليته كاملة تجاه الحقائق والسرديات وذاكرة المجتمعات.

ما هو شعورك حول هذا الخبر؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
1
+1
1
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة