بقلم: الحسين الملكي

منتج ومستشار في المجال السمعي البصري في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي ومنظومة الإعلام الدولية، لم يعد دور المنتج مجرد “منفذ تقني” أو وسيط مالي، بل أصبح “مهندس مشروع” بامتياز. ومع ذلك، يظل المنتج في المنظومة الراهنة هو الحلقة التي تتحمل العبء الأكبر، ويخوض “مسار محارب” حقيقي لضمان خروج العمل الفني إلى النور في ظروف معقدة.
المنتج: مهندس في مواجهة التحديات
إن التحدي الذي يواجهه المنتج اليوم، خاصة في المرحلة الانتقالية الحالية، يكمن في ضرورة تحوله من مجرد شخص يدير الأرقام إلى “منتج إبداعي” (Creative Producer). هذا المسار يبدأ من مرافقة المؤلف وتطوير السيناريو، وصولاً إلى تأمين الحقوق القانونية والفكرية المعقدة.
إن المنتج المغربي يجد نفسه مطالباً بفك شفرات هندسة معقدة تشمل:
• الإطار المؤسساتي والقانوني: استيعاب قوانين المركز السينمائي المغربي (CCM) والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (HACA).
• اقتصاديات المنصات: مواجهة زحف منصات مثل “نتفليكس” و”شاهد” التي فرضت نماذج إنتاجية واستهلاكية جديدة.
• تحديات التوزيع: ضمان موقع للفيلم في خريطة المهرجانات العالمية واستراتيجيات التسويق الرقمي الحديثة.
أين تكمن المعضلة (Le Hic)؟
تكمن الفجوة الأساسية في أن التكوين والممارسة غالباً ما يركزان على الجوانب التقنية البحتة، في حين أن جوهر الأزمة يكمن في “الهندسة الاستراتيجية للإنتاج”. المنتج يجد نفسه في مواجهة:
1. ضعف الهيكلة المفاهيمية: البدء في الإنتاج دون فهم عميق لسلسلة القيمة من الفكرة إلى الاستغلال.
2. غياب الأمن القانوني: نقص التمكن من عقود الخيارات (Option Contracts) والتنازل، مما يضعف استقرار المشاريع.
3. العزلة عن السوق الدولية: ضرورة الانتقال من الإنتاج المحلي المحض إلى آليات الإنتاج المشترك الدولي.
خارطة الطريق: نحو ريادة القطاع
لكي نكون في مستوى الطموحات المسطرة لقطاع السمعي البصري والسينمائي، يجب إعادة الاعتبار للمنتج كـ “معماري للمشروع”. الحل يمر عبر ثلاث ركائز أساسية:
• التكوين الاستراتيجي: ضرورة الانتقال من التكوين التقني إلى تكوين يركز على “إدارة النظم” وابتكار حلول تمويلية غير تقليدية.
• التمكين القانوني والمؤسساتي: تحصين المشاريع قانونياً وفهم آليات اتخاذ القرار لدى القنوات الوطنية (SNRT, 2M) والمؤسسات المانحة.
• استباق السوق: التفكير في التسويق والبعد العابر للوسائط (Transmedia) منذ مرحلة التصميم وليس بعد انتهاء الفيلم.
إن الانتقال إلى مرحلة النضج في الصناعة السينمائية المغربية رهين بقدرتنا على تحويل هذا “المحارب” (المنتج) إلى فاعل يمتلك أدوات التحليل، التوقع، والقيادة. فبدون منتج قوي ومسلح بالمعرفة الاستراتيجية، ستظل طموحاتنا الفنية أسيرة عوائق تقنية ومالية يمكن تجاوزها بالعلم والمهنية.














