المتابعة لياسين السهلي:
تألقت القناة الثامنة في اختيار الطبق الدرامي الذي ميزها خلال الشهر الفضيل، حيث اختارت ثلاثة مسلسلات تنافست في جذب انتباه المشاهد الأمازيغي، حيث حرصت القناة الثامنة على تقديم الأعمال الدرامية الثلاث على مدار شهر رمضان بصحبة نخبة من كبار الممثلين والمخرجين والكتاب الذين تنافسوا من جهة لتحقيق أذواق أكبر شريحة من الجمهور، فجاء العمل الدرامي المميز الأول يحمل عنوان “بابا علي” في جزئه الثالث الذي تناول قضايا الناس من خلال رجل بسيط هو “بابا علي” ومعلوم لدى الباحثين والمهتمين بأن بابا علي شخصية أسطورية ما تزال تحفظا الذاكرة وتتوارثها الأجيال وتروى في المجالس والليالي الدافئة بين القرى الجبلية المترامية بين القمم والسفوح. وقد تمكن المخرج مصطفى أشاور المعروف بلمساته الإبداعية وبالأسلوب المشوق الذي اختاره من تمرير رسائل كثيرة على امتداد 30 حلقة، رسائل تكرس قيم التعايش والود والتراحم والصفح والتسامح وذلك في إطار فكاهي سلسل، تجنب فيه المخرج جانب الإضحاك المجاني ورسم من خلال شخصية بابا علي عالما آخر تصارعت فيه جميع شخصيات المسلسل لطرح قضايا المجتمع المعاصرة بشكل سلسل وفي إطار كوميدي مما حبب المسلسل للجمهور وحفزهم على تتبعه.
وبصرف النظر عن نسب المتابعة فإن العمل يبقى ومن خلال هذه القصة الأسطورية التي تبدو بسيطة ولكنها في تناولها نفذت إلى أعمال المشاهد وخاطبت فيه الوجدان وكرست لديه القيم المثلى وهو ما تهدف إليه الدراما في الحقيقة وهي لا تتجزأ عن السياق العام لمشاكل الناس وقضايا الناس، لذلك جاءت رسالة مسلسل بابا علي واضحة تماما تحقق الغاية من كتابة هذا العمل، فاستحق نسب مشاهدته واستحق المتابعة.
أما المسلسل الثاني الذي قدمته القناة الثامنة وهو مسلسل ريفي يحمل عنوان “الصفقة” للكاتب والسيناريست محمد بلال والمخرج حميد زيان، هذا المسلسل الذي يتناول حكاية شاب انقلبت حياته رأس على عقب بعد انتحار والده، حيث تكشف الأحداث كيف يقود فضول هذا الشاب إلى الوصول لأسرار خطيرة في علاقة والده المتوفى مع والدته، ثم يكشف بالموازاة مع ذلك صفقة كان هو ضحيتها.
هذا المسلسل وكما أراده السيناريست محمد بلال ومخرجه فهو جاء ببعد كوني وإنساني ومجتمعي ولا علاقة له بالقيود المحلية الضيقة ولا بالأحداث الصغيرة التي قد يعرفها المجتمع الريفي في حياته اليومية باعتبار أن مشاكل الإنسان ومهما تباينت تبقى مشاكل واحدة وقضايا واحدة، باستثناء بعض التباين الذي نلمس على مستوى العادات والتقاليد، والجميل في مسلسل “الصفقة” هو تحديه للطابع المحلي وانفتاحه على جميع شرائح المجتمع وساعدته على ذلك الدبلجة فاستحق المتابعة، ولذلك نجد من ضمن متابعيه كما صرح بذلك مخرجه شرائح مختلفة بمن فيهم مشاهدون غير ناطقين بالأمازيغية ولكن بفضل الدبلة أمكن لهم متابعة أحداث المسلسل، نفس الشيء بالنسبة للناطقين بالسوسية أو الأطلسية، هناك من تابع من الجمهور الأمازيغي هذا المسلسل وبعث بتفاعلاته للمخرج كما صرح بذلك في كثير من خرجاته الإعلامية، وبذلك يبقى مسلسل “الصفقة” من ضمن الأعمال الدرامية التي استحقت المشاهد.
ونصل إلى المسلسل الثالث الذي كان منافسا قويا بدوره ويحمل عنوان “جبل الجليد” لمخرجه رشيد الهزمير وسيناريو محمد بنسيدي، فقد استطاع السيناريست محمد بنسيدي أن يقدم للمشاهد مائدة درامية تعج بقضايا اجتماعية وقيم في قالب جمع فيها بين الواقع تارت والخيال تارة أخرى، وجاءت معالجة المخرج رشيد الهزمير لهذه القضايا وهذه المشاكل سواء التي تعرفها فضاءات القرية أو المدينة على حد سواء في إطار معالجة درامية ظلت
وفية وهذا أساسي جد للهوية الأمازيغية التي ظلت تحافظ عن حضورها وقوتها ومناعتها كما أراد لها ذلك الكاتب والمخرج رغم الحداثة التي نعيشها، والشيء الأساسي كذلك إلى جانب ما ذكرت هو حضور المرأة بإيجابية كبيرة في سباق مسلسل “جبل الجليد”، وقد كان لهذا الحضور أثر قوي على مستوى تنامي الأحداث وتطورها وتصاعدها.
والجدير بالذكر أن مسلسل “جبل الجليد” يتناول باختصار حكاية الطالب موسى الحائز على شهادة الدكتوراه والذي ظل يترصد فرصة الانتقام من الشاب الذي اغتصب شقيقته ورغم حساسية الموضوع فإن طريقة المعالجة الدرامية لهذا العمل جاءت بطريقة ذكية واستطاعت أن تحافظ للمسلسل عن إيقاعه القوي المتصاعد منذ الحلقة الأولى إلى آخر الحلقات وإجمالا فإن اختيار
المسلسلات الثلاث التي عززت بها القناة الثامنة شبكة برامجها لرمضان لم تأتي اعتباطا ولا من فراغ، بل جاءت لتؤكد حسن اختيار القناة للمائدة الرمضانية الدرامية التي قدمتها لجمهورها.
ثلاثة مسلسلات إذن تنافست على جذب المشاهد بتيماتها المختلفة ظلت وفية للهوية الأمازيغية وفي نفس الوقت حاولت تطوير أدائها وانتقاء تيماتها ومضامينها، لم تنغمس كما هو مألوف في بعض الأعمال الدرامية في المحلية الضيقة بل اختارت التحليق بعيدا وقدمت دراما جديرة بالمشاهدة بالنسبة للأمازيغيين أو غير الناطقين بالأمازيغية.
نتمنى أن نشاهد مستقبلا أعمالا مماثلة أو أفضل من التي قدمتها القناة الثامنة.















