سيناريو قوي وحبكة درامية احترافية وممثلين ريفيين موهوبين
سعيد الحفياني
استطاع مسلسل الصفقة الذي قامت بتنفيذ إنتاجه شركة سبكتوب أن يقدم على امتداد حلقاته طيلة شهر رمضان بانوراما حياة تعج بقضايا المجتمع المغربي بشكل عام ولا أقول الأمازيغي فقط، لأن قضايا الإنسان برمتها تبقى قضايا واحدة، تغوص في صميم الحياة اليومية لهذا الإنسان رغم تباين الأعراف والعادات والتقاليد.
لذلك جاء النص ببعده الكوني ليكسر القيد ويخرج بالمشاهد من النطاق الضيق لكل ما هو محلي ومن القضايا الاجترارية المملة والمتكررة والأفكار المستهلكة أيضا إلى نطاق أوسع وقد تفوق بهذا الخصوص المخرج حميد زيان بأن يقدم مسلسل يمكن أن يشاهده الجمهور الأمازيغي وغير الأمازيغي، وقد مكنت الدبلة من توسيع دائرة المشاهدين لهذا المسلسل الذي تدور أحداثه حول:
عبد الصمد رجل ثري جدا، ويمتلك الكثير من الأملاك والعقارات، توفيت زوجته تركت له بنتا اسمها نرجس، وهي شابة جميلة ومثقفة، أكملت تعليمها وافتتحت مشروعها الخاص بها، لأنها تؤمن بأن العمل سبيل لتحقيق الذات، تعرفت على عبد الوهاب، وهو شاب متعلم رغم أنه يظهر من محياه أنه حاد الطباع وصارم إلا أنه، وسيم طموح وميال للدعابة والضحك، يعمل في مختبر للأدوية.
نجح عبد الوهاب في الإطاحة بنرجس في شباك حبه، وجعلها تتعلق به، وقد قضيا معا فترة ترسخت فيها العلاقة بينهما. مما دفع عبد الوهاب إلى التقدم لخطبة نرجس، وبالفعل نسقت هذه الأخيرة موعدا مع والدها الذي كان متحمسا لتلبية رغبة ابنته الوحيدة، وقد استقبل الأب عبد الوهاب بحفاوة وجلس يكلمه عن حاله وأحواله ويسأله عم عمله وأصله.
وكان عبد الوهاب يحدثه ببساطة ويختار كلماته بدقة، وبعدما ظن عبد الوهاب أنه نجح أيضا في استمالة رضى والد نرجس، تفاجأ بتحفظه عن تزويج ابنته له، واعتذر له بلطف، بدون أن يوشي له بدواعي رفضه، مكتفيا بقوله “إن الزواج قسمة ونصيب”، لم يعرف أي أحد ما دار في ذهن الأب،..
لماذا رفض جملة وتفصيل هذا الزواج، وهو الذي استقبل عبد الوهاب ورحب به، حاولت نرجس أن تفهم وأن تقنع والدها بأنها تحبه ولا يمكن أن تتخلى عنه، لكن هذا الأخير كان قاطعا صارما في رفضه.
توترت العلاقة بين نرجس ووالدها الذي رفض مناقشة الفكرة، معتبرا بأن قراره نهائي لا رجعة فيه، تمردت نرجس، لكنها في نهاية المطاف عادت لتعيش حياتها متوازنة، ظاهريا تبدو وكأنها تقبلت قرار والدها، لكنها في نفس الوقت تلتقي عبد الوهاب وهما يخططان معا لحل محتمل.
وعلى غير المتوقع يموت عبد الصمد إثر أزمة قلبية، حزنت نرجس لفقدان والدها، بينما عبد الوهاب رغم تظاهره بالحزن، ففي دواخله فرح لموته، وظل إلى جانب نرجس في محنتها هاته رغم وجود أعمامها وأبنيهما وباقي أفراد العائلة.
بعد انصرام أجل الأربعين يوما كانت نرجس تستعد مع عبد الوهاب لإعلان خطبتهما أمام باقي العائلة، وبعد انتهاء عشاء الأربعينية طلب محامي عبد الصمد من كل أفراد العائلة البقاء للاستماع لوصية المرحوم، اجتمعت العائلة حول المحامي الذي فتح الوصية، التي كانت تحول ما لم يكن متوقعا، إن الأب المتوفى أوصى بجميع ممتلكاته لابنته نرجس، لكن شريطة أن تتزوج أحد ابني عمها زكرياء أو كريم.
كانت ردود الفعل تتوزع بين الصدمة التي أصابت نرجس وعبد الوهاب من جهة والفرحة التي دبت ابني العمين زكرياء وكريم.
رفضت نرجس الاعتراف بالوصية لكن المحامي شرح لها بأنها وثيقة قانونية سليمة لا يمكن الطعن فيها وأن الحل أمامها هو القبول بمضمونها والتسليم به، وقد اعتبرت بأن مضمون الوصية في شكله هذا، هو حكم بالإعدام على حلم زواجها من عبد الوهاب، وتساءلت مع نفسها عن سر كراهية والدها لعبد الوهاب في حياته وحتى بعد موته.
بعد المفاجأة التي حملتها الوصية انعزلت نرجس وهي تحاول أن تجد لها مخرجا من هذه الورطة، وتعددت لقاءاتها مع عبد الوهاب بحثا عن حل ومخرج من هذه الورطة، واتفق معها أنه ما عليها سوى تقبل الشرط، وأن تعمل كل ما في وسعها لكي تعرقل تحقيق الزواج من أحد أبناء عمومتها، واتفقا على خطة من أجل انتفاء هذا الشرط.
في المقابل كان زكرياء وكريم يتنافسان من أجل نيل رضا وإعجاب نرجس، وتنفيذ كل متطلباتها حتى تختار أحدهمها، كان كل واحد منهما يبدل قصارى جهده للفوز بها زوجة. واشتدت المنافسة بينهما وتعددت المقالب التي ينصباها لبعضهما البعض واحتدم الصراع، وكانت نرجس تراقب كل ذلك وتزيد من حدته بتنسيق مع عبد الوهاب الذي كان يخطط معها ويساهم بدوره في تأجيج الخلافات بين المتنافسين، وكان مرض زكرياء بالربو وسقوطه فلي مرات عدة مغمي عليه، نقطة إيجابية تلعب لصالح كريم الذي قد تمنحه فرصة أكبر للفوز بقلب نرجس.
لكن كان ما لم يكن في الحسبان، إنه في صبيحة أحد الأيام سيتم اكتشاف جثة زكرياء هامدة، وبعدما ظن الجميع أنه مات موتة طبيعية بسبب مرضه المزمن، اكتشف التشريح عكس ذلك، حيث تبين أنه مات مسموما عن طريق الشم، فتوجهت أصابع الاتهام مباشرة لكريم، وهكذا تم اعتقاله وتقديمه للنيابة العامة التي أمرت بحبسه بدعوى أنه هو المستفيد الأول من الوفاة، وليست لديه أية حجة دامغة تبرر غيابه لتنقده من القصاص، كما أن المنافسة بينه وبين زكرياء حول الزواج بنرجس كانت تتخللها مراحل صراع حاد، .. تجاوزت في أحايين عدة حدود التنافس الشريف، .. إلى توزيع التهديدات بالتصفية بين الطرفين على حد سواء.
اعتقل كريم وأخذت محاكمته منحى الإدانة مع سبق الإصرار والترصد، لكن المحقق الشاب بلال الذي تولى القضية بعد تقاعد خلفه، لم يكن مقتنعا بأن كريم مذنبا، بالرغم من كون كل المؤشرات ضده، مما حدا به إلى تعميق البحث، وأمر بإعادة تشريح الجثة، وقد وضع تحركات نرجس تحت أعينه، حيث لاحظ أثناء التحريات أن عبد الوهاب الذي يلازمها كالظل، سبق وأن تقدم للزواج بها عندما كان والدها على قيد الحياة، ورفض من طرفه !!..
فقرر أن يجري بحثا دقيقا حوله لمعرفة أصله وفصله، وإداك اكتشف بلال من خلال النبش في ماضي عبد الوهاب، أن والده الذي يدعى الحاج بنعزوز، كان شريكا لوالد نرجس في بدايته الأولى، وأنه باع في ظروف غامضة كل ممتلكاته لشريكه هذا، .. وبعدها بشهور انتحر بعد أن رمى بنفسه في السكة الحديدية أمام قطار أرداه أشلاء متناثرة، وتم تقييد القضية على أنها انتحار، وكانت هذه النازلة بمثابة نقطة تحول في القضية، حيث فتح بذلك المفتش الشاب، ملفا آخر ظل طي الكتمان، قد يكون هو الذي أجج القضية، والذي أعطى لها منحنى آخر، خصوصا أن الابن عبد الوهاب كان وحيد والده وعاش معه تفاصيل اندحاره في السوق رغم صغر سنه، مما فتح أمام المفتش فرضية أن يكون هذا الأخير له دخل في مقتل زكرياء من أجل الاستفراد بثروة نرجس، والانتقام من ابنة شريك والده.. لكن كيف !؟، هذا ما راهن المفتش بلال على سبر أغواره، وفي السياق ذاته توصل المفتش الشاب إلى أن عبد الوهاب يعمل في مختبر لصنع الأدوية، مما رجح لديه فرضية أن يكون هو مصدر السم الذي مات به زكرياء، وهذا التفصيل الأخير جعل المفتش يعود إلى تقرير الطب الشرعي الذي جاء فيه أن زكرياء توفي بتركيبة كيميائية في البخاخ كان لها الوقع السلبي على تنفس زكرياء، أدت إلى اختناقه، كما أن هذه النوعية الكيميائية غير متوفر في الأسواق، وليس في متناول العامة، الشيء الذي جعل الاحتمال الوارد أن تكون المادة المتواجدة بالبخاخ تمت صناعتها في مختبر للأدوية، أي أن تسمم زكرياء لم يكن بمادة متداولة، إنما بمادة مصنوعة مما يرجح أن يكون هناك طرف آخر في القضية هو من دبر التركيبة الكيميائية التي أدت إلى اختناق زكرياء، وبالتالي السؤال الوارد، هل هناك تنسيق بين زكرياء المتهم الرئيسي في القضية وجهة أخرى لها خبرة ودراية في تصنيع هذه المادة السامة !؟
سؤال جعل المفتش بلال يكتف تحرياته، وقد توصل بعد فحص البخاخ الذي كان يستعمله الضحية، حيث وجد به المادة القاتلة، عندها قرر بلال بتنسيق مع النيابة العامة تعميق البحث، وبفضل الوصفة الطبية التي يشتري بها القتيل المادة التي يستعملها في البخاخ، تعرف على الصيدلية التي باعت للضحية البخاخ، فذهب لشراء نفس البخاخ بنفس مواصفات المادة المستعملة، لكن الصيدلي أخبره بأن هذه المادة يتم إعدادها عند الطلب بالمختبر، ومن خلال البحث الأولي حول المختبر سيعرف بلال بأن عبد الوهاب يعمل فيه، وهو ما زاد شكوكه حوله وقرر أن يبحث في العلاقة بين الصيدلي وعبد الوهاب، حيث قام باعتقال الصيدلاني الذي أكد في التحقيق بأنه يعرف عبد الوهاب وأن الأخير يزوره، وأنه يتصل به ليطلب منه أن يوفر له بعض الأدوية النادرة، واستعان في ذلك بتسجيلات الكاميرات المتواجدة بالصيدلية..
عندها قرر بلال أن يعتقل عبد الوهاب، وأثناء التحقيق معه أنكر بأنه من قتل زكرياء، وبعد أن حاصره بلال بالأدلة انهار أمام المحققين واعترف بكل شيء، وأنه فعل ذلك ليتخلص من منافسيه ويفوز بثروة نرجس التي هي من حقه لأن عبد الصمد خدع والده وسلبه كل شيء،.. وأن والد نرجس كان السبب في انتحار والده، .. وعبر الفلاش باك.. الذي يستحضر التفاصيل التي قام بها عبد الوهاب، من أجل التشكيك في عملية انتحار والده، وفتح بذلك أمام النيابة العامة نافذة لإعادة تشريح جثة الحاج بن عزوز والد عبد الوهاب، حيث اكتشف المحقق بلال، أن الوفاة لم تكن بالفعل نتيجة انتحار إرادي على سكة القطار، إنما كان الفعل مدبرا، حيث تم قتل والد عبد الوهاب بالسم قبل رميه على سكة القطار من أجل طمس معالم الجريمة، وهذا ما توصل إليه تشريح بقايا معدة المنتحر، وكان لبعض الأدلة التي جمعها عبد الوهاب نقطة تحول في القضية، أصيبت نرجس بالصدمة حين عرفت حقيقة عبد الوهاب، وحقيقة والدها الذي كانت تضنه متزنا ومتدينا، وأصيبت على إثر ذلك بنوبة عصبية أودعتها مستشفى الأمراض العقلية، فيما تم إطلاق سراح كريم الذي حاول التقرب إلى نرجس رغم حالتها النفسية المضطربة.
انطباعات حول المسلسل:
إجمالا فإن مسلسل الصفقة دراما بأسس
احترافية وأكاديمية يجمع بين الجودة الفنية ونص مكتوب بحرفية عالية تضمن الخط
الدرامي الرئيسي وخطوط فرعية موازية تخدم القصة الرئيسية وبالتالي فإن مضمون هذا
المسلسل يقدم القدوة والمثل ويعالج الصور النمطية في المجتمع سواء تعلق الأمر
بالناطقين بالأمازغية أو غيرهم، كما أن الحوار وأسلوب التعبير بشكل عام نجده يخدم
النص، أيضا لا يمكن للمتتبع لهذا المسلسل ومن الزاوية الموضوعية إلا أن يقر بأن
مسلسل الصفقة هو دراما فاعلة وناقدة.
ولا يمكن أخيرا أن نتحدث عن هذا
المسلسل ونغفل الأداء التشخيصي لنخبة مميزة من الممثلين المنحدرين من الريف، مما
يدل بأن المخرج حميد زيان تفوق على مستوى الكاستينغ، فهذا الفريق من الممثلين أجاد
في أدائه وتشخيصه حركة ولغة وحوارا وأعطى دفعة قوية للنص.
وأخير فإن الحبكة الدرامية الاحترافية
زادت من جهتها من التشويق وحببت للمشاهد متابعة حلقات هذا المسلسل وهو الرهان
بالتأكيد الذي كان يسعى من خلاله المخرج والشركة المنتجة سبكتوب معا وباقي فريق
العمل.
شكرا للقناة الأمازيغية وللقائمين
عليها الذين أمتعونا خلال شهر رمضان بمسلسل الصفقة إلى جانب المسلسلين الآخرين
الذين سنعود إليهما بالتحليل في الأيام القريبة.















