تقديم كتاب الإرث الصوفي التجاني

anbrahim5 ديسمبر 2023آخر تحديث :
تقديم كتاب الإرث الصوفي التجاني

 

 

تقديم: محمد التهامي
الحراق

 

تتعدد، اليوم، مقاربات الخطاب الصوفي بتعدد زوايا الاقتراب وطبيعة أسئلته ومنهاجه. وإذ تكشف بعضُ المقاربات عن منطلقاتها ومفاهيمها، يترك بعض آخر ذلك في مستودع الصمت، مما يستلزم من القارئ مجهودًا ونباهةً في السبر واستنطاق ما وراء السطور. ها هنا تبرزُ واحدةٌ من مزايا العمل الرصين الذي أنجزه الأخ العزيز والباحث القدير الأستاذ منتصر حماده؛ ذلك أنه، وكعادته في التأليف والدراسة، يتحرَّى موقع الاقتراب من موضوعه، ويُحدِّد بدقة الأسئلةَ التي تشغله، ويتقصّى مواطن التناول؛ حتى لا يُتلقى بحثُه على غير وجهه المطلوب، ولا نتائجُ عمله بما يُخالف منطلقاتِه المعلنة، ومساراتِه المرسومة؛
لا سيما وأن الأستاذ حمادة يتناول، في الكتاب الذي بين أيدينا، موضوعاً يقف على التخومِ بين حقولِ الدين والاجتماع والسياسة، كما أنه يتناول خطاباً صوفياً تتوزع مقارباتُه بين ما هو دعوي وإيديولوجي، وما هو تاريخي واجتماعي، وما هو إبستمولوجي وتيولوجي، وما هو أدبي وجمالي…إلخ؛ ويعرف أشكالاً راهنةً من التجاذُبات داخل النسق الديني نفسه بين المتصوف والمتسلِّف والمستصوف، وأخرى تقيم في أتونِ جدلية الدين والسياسة ضمن رهاناتٍ محلية وإقليمية وعالمية ما تفتأ تغيِّرُ من طبيعتها.

وتزداد خصوصية موضوع الكتابِ حين ندركُ أنَّ للتصوفِ كبيرَ اعتبارٍ في منظومة الثوابت الدينية المغربية، وأن هذا الكتابَ يباشر بالدراسة والتحليل المشرب الصوفي التجاني، بوصفه أحدَ أهمِّ المشارب السلوكية الصوفية في شمالِ وغربِ افريقيا، وتحديدا في جنوب الساحل؛ مشربٍ تعدادُ مريديه اليوم بالملايين، وله امتدادٌ استراتيجي في مختلِف المجالات الروحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسيةِ، في عدد من الدول الافريقية بشكل خاص.

ها هنا، تظهر أهميةُ تحديد زاويةِ الاقتراب من الإرث الراهن للعمل الصوفي التجاني، يكتب الأستاذ منتصر حماده في المقدمة: “ولأن الخوض في الإرث الراهن للعمل الصوفي التجاني يتطلب الخوض في عدة مجالات وفتح عدة قضايا في آن، إضافة إلى حسم طبيعة مقاربة الموضوع، كأن تكون مقاربة دينية أو سياسية أو اقتصادية وغيرها، فقد ارتأينا تسليط الضوء على بعض
المحددات أو النقاط المفصلية التي نعتقد أنه حري أخذُها بعين الاعتبار في حال الاشتغال على راهن التديّن الصوفي في المغرب وإفريقيا من جهة، وراهن التصوف التجاني بالتحديد، وذلك انطلاقاً من أرضية ثقافية واجتماعية وصوفية؛ خاصة أن الأمر
يهم ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى، وبما أن الظواهر المجتمعية تبقى ظواهر مركبة في التناول، فإنها تفرض على الباحث تبني قراءة مركبة أو تبني “فكرٍ مركب” بتعبير المفكر الفرنسي إدغار موران، لذلك ارتأينا تأسيس هذه القراءات والتفاعلات على مقاربة مرَكَّبة، مع أخذ مسافةٍ على قدر المستطاع من التعقيد”.

لقد استحضرنا هذا الاستشهاد، على طوله النسبي، لِمَا له من قيمةٍ توضيحية للرؤية المنهاجية التي يَصدُر عنها المؤلفُ في تناوله لـ “الإرث الصوفي التجاني”. وهي الرؤية التي يجب النظرُ من خلال تفاصيلها إلى مُنْجَزِ هذا الكتاب، ومن ثَمّ فحصُ منهاج الاقتراب وتقدير جدوائية النتائج المُحَصَّلة. على أن المتأمل في المستويين معاً، يمكن أن يظفرَ بجملة مزايا وخصائص تميِّز هذا الكتاب الرصين وتوقِّعُ فرادتَهُ، من أبرزها:

أ- الجرأة
البحثية للكتاب، والمتمثلة في الخوض النبيه في موضوع “راهنٍ” و”حيّ”، وعدم الركون إلى الاقتصار على التناول التعريفي بالطريقة الصوفية التجانية والسرد التاريخي لمسارها وأعلامها وزواياها وتآليفها وأدوارها في المغرب وامتداداتها الإفريقية؛ بل إن الباحث، وبمسؤولية علمية، راح يبحث في الرهانات الوظائفية المتجددة للخطاب الصوفي في منظومة التديّن المغربي بإجمال، وتلك الخاصة بالإرث الصوفي التجاني في السياق المعاصرِ بشكل خاص.

ب-الإجرائية المنهاجية للمقاربة التركيبية التي تبناها الباحث، وقد جعلته يتناول حضور الإرث الصوفي التجاني ضمن رهانات إعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب الراهن، ومن ثم النظر إلى هذا الإرث ضمن رهانات التصوف في علاقته مع باقي الثوابت المكونة للمنظومة الدينية المغربية، وفي علاقته مع التجديد الوظيفي والهيكلي الذي عرفه الحقل الديني
في عهد الملك محمد السادس؛ والمتسم بنزوع إصلاحي تنويري، يرومُ تثميرَ المكونات العقدية والفقهية والسلوكية للتديّن المغربي، وتجديدَ حضورها ووظائفها في ظل مؤسسة إمارة المومنين. هذه الأخيرة التي برهنت على قدرتها الخلاقة في استيعاب الأسئلة المتجددة لعلاقة الدين بالسياسة، وتجديدِ التنزيل المعرفي والتأطيري والمؤسساتي والتواصلي للدين في المجتمع، والحفاظِ على وحدة الأمة ضد التطييفِ والتطرف، وصيانةِ وَهَجِ روحانيتها ضد الإفلاس الأخلاقي والطقوسية، وتحصينِ قابليتها لإنتاج المعنى، وتحقيق التعارف الإنساني ضمن التحديات السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية والبيئية والوجودية التي يواجهها التديّن المغربي؛ بل يُواجهها الإسلام بوجه عام وسائر الأديانِ بشكل أعَمّ، في السياق العالمي المعاصر.

ج- غنى الإحالات
المرجعية في الكتاب؛ ففضلاً عن ثراء الهوامش ووُسْعِ الثبت البيبليوغرافي في الكتاب، نجدنا خصوصاً في الفصل “الثاني” إزاء معرفة رحبة بالمصادر والمراجع التي تُبرز ألمع معالم المواكبة البحثية للإرث التجاني، سواء في السياقين المغاربي والإفريقي
أو في السياقين الأوربي والأمريكي. على أن تناول هذه المواكبة لم يكن مجرد عرض بيبليوغرافي بارد، بل صاحبه نَفَسٌ نقدي هادئ، وتنبيه على خلاصات نفيسة من شأنها إرشاد الباحثين إلى مفاتيح هذه المواكبة البحثية، واستكشاف مُشتَرَكَاتها وخواصِّ كلِّ واحدة منها، مما من شأنه أن يعمِّقَ معرفةَ الأبعاد المختلفة لحضورِ الإرث التجاني في الأعمال البحثية مغاربياً وإفريقياً وأوربياً وأمريكياً.

د- الحسمُ
العلمي والتاريخي في التفاعلات المغربية الجزائرية حول الإرث التجاني، ولعلَّ هذا ما يُشكِّلُ لُبَّ الكتابِ وبيتَ قصيده؛ إذ “يَفْصِلُ في إثباتِ الأصل”، كما ورد في عنوان الكتاب. فقد طرح وبشكل تاريخي مُفصَّل موقفَ السياسات الجزائرية من التصوف، وأبرزَ ما اتسم به هذا الموقف من الاعتراض والرفض والارتياب، سواء من لدن النخبة السياسة والعسكرية، أو من لدن الجماعات الإسلامية، أو من لدن “جمعية العلماء المسلمين”؛ مثلما أبرزَ المؤلفُ ظروفَ وملابساتِ العودة الجزائرية المتأخّرة للتصوف، مجلِّيًّا بعض “المقدمات المرَكَّبة لعلاقة العمل الصوفي التجاني بالمغرب”، مثل التراكم التاريخي للتصوف المغربي، وتميُّز وريادة التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني، والمحورية التاريخية والشرعية والروحية والسياسة لمؤسسة إمارة المومنين في هذه التجربة، وكذا تولُّد المشرب الصوفي التجاني في السياق الروحي المغربي؛ فضلاً عن الوزن العلمي الكبير لأعلام التجانية في المغرب وتآليفهم التأسيسية في الطريقة، وأهمية مشيختِها ومراكزِها وزواياها ومراقدِ شيوخها في المغرب، وفي صدارة هذه المواقدِ ضريح مؤسس الطريقةِ التجانية العارف سيدي أحمد التجاني دفينِ مدينة فاس. إن هذه العناصر، التي فصَّلها المؤلفُ، قد “فَصَلَ” بها في ما سماه “التفاعلات المغربية الجزائرية حول الإرث التجاني”، “مُثْبِتاً” بها الأصلَ المغربي لتاريخ المدد الروحاني للمشرب التجاني، ومُفسِّراً بها ولاءَ أتباع الزاوية التجانية عبر العالمِ للمغرب؛ بل مستحضِراً أن الإسلام في أصل التديّن قد دخل إلى شمال إفريقيا عبر بوابَة العمل الصوفي المغربي.

وإجمالاً، فإن الكتاب، بهذه المزايا وغيرها، يشكل إضافةً نوعية للأبحاث العلمية التي تتناول الخطابَ الصوفي الراهن بالمغرب عموماً، والمتعلق بالإرث التجاني بشكل خاص؛ خصوصاً وأن الباحثَ القدير الأستاذ منتصر حماده، على جِدِّيَّةِ عمله وجِدَّةٍ في بعض طروحاته، لا يَدَّعي أبداً بلوغَ الكمال، ولا الإحاطة الجامعةَ المانعة بموضوعه، وإنما يحدد لعمله منطلقاتٍ، ولمنهاجه خطواتٍ بها يعمق البحثَ ويفتحه على آفاق الإغناء والإثراء؛ آملا أن يضيء مكانةَ التصوف ووظائفَه في المنظومة التدينية
الراهنة في المغرب من جهة، وأن يوسِّعَ من مساراتِ البحث في الأبعاد المعرفية والتاريخية والوظائفية المتجددة للإرث التجاني في السياسة الدينية المغربية الحالية من جهة ثانية، وأن يوفر، من جهة ثالثة، حُججاً حاسمةً في بعض سماه بـ “التفاعلات المغربية الجزائرية حول الإرث التجاني”؛ وذلك من خلال الكشف عن الأدلة التاريخية والعلمية والروحية الدامغة لانتماء المشرب التجاني لأرض المغرب ومنظومته الدينية ومدده الروحي، سواء في الماضي أو الحاضر أو ما يُستشرَفُ من آفاقِ الآتي والمستقبل.

ما هو شعورك حول هذا الخبر؟
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
+1
0
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة